نظّمت مبادرة NextGen GJU للتثقيف السياسي والمشاركة الشبابية في عمادة شؤؤن الطلبة/ الجامعة الألمانية الأردنية، يوم الأحد الموافق 16 آب 2026، رحلة تعليمية ميدانية إلى منطقة الأزرق تحت عنوان «المياه: آثار الحياة | Water: Traces of Life»، بمشاركة مجموعة من طلبة الجامعة. كما أسهمت الرحلة في دعم مشاركة الطلبة في مسابقة التصوير الفوتوغرافي التي تنظمها الجمعية الألمانية الأردنية تحت العنوان نفسه، من خلال إتاحة المجال أمامهم لتوثيق حضور المياه وغيابها وآثارهما البيئية والاجتماعية والتاريخية في منطقة الأزرق.

هدفت الرحلة إلى تعزيز وعي الطلبة بقضايا الأمن المائي والتغير المناخي وحماية الأراضي الرطبة والتنوع الحيوي، إلى جانب التعرف إلى الأهمية التاريخية والجغرافية والزراعية لمنطقة الأزرق. واعتمد البرنامج على التعلم الميداني والحوار المباشر مع المختصين وأصحاب المصلحة، بما يتيح للطلبة الربط بين المعرفة العلمية والتحديات المجتمعية والحلول القابلة للتطبيق.

استُهل البرنامج بزيارة محمية الأزرق المائية، حيث التقى الطلبة مدير المحمية المهندس حازم الحريشة، الذي قدّم عرضاً حول الأهمية البيئية للواحة، وأبرز مشروعات التوسعة وإعادة تأهيل الموائل الطبيعية التي تنفذها المحمية للمحافظة على استدامة واحة الأزرق واستعادة تنوعها الحيوي.

وتناول اللقاء التحديات المرتبطة بتراجع الموارد المائية، وآليات إدارة مياه الأمطار وتجمعها في البرك خلال فصل الشتاء، ودور برامج الحماية وإعادة التأهيل في تحسين حالة النظام البيئي. كما تعرّف الطلبة إلى المكانة الدولية للمحمية بوصفها إحدى أهم محطات استراحة الطيور المهاجرة على مسارات هجرتها بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وإحدى أبرز الأراضي الرطبة في الأردن المسجلة ضمن اتفاقية رامسار.

وخلال الحوار، طرح الطالب هاشم الصفدي مجموعة من الأسئلة حول خطط المحمية لإدارة مياه الأمطار وتجميعها في البرك والحد من فقدانها، ومدى إسهام هذه المياه في دعم النظام المائي والبيئي للواحة خلال المواسم اللاحقة. كما ناقش الطلبة عدداً من الحلول القائمة على الطبيعة، مثل استعادة الموائل الرطبة، وتحسين قدرة التربة والغطاء النباتي على الاحتفاظ بالمياه، وإدارة الجريان السطحي، وجرى تقييم هذه المقترحات استناداً إلى المعطيات العلمية واحتياجات المجتمع المحلي.

من جانبه، استفسر الطالب عمار الماني عن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية الأراضي الرطبة، وعن دور التعاون الأردني الألماني في دعم تطور المحمية وبرامج إعادة تأهيلها. كما طرح الطالب داوود القطاونة سؤالاً حول الرؤية المستقبلية لربط محمية الأزرق بقلعة الأزرق، بما يعكس التكامل بين القيمة البيئية للواحة والأهمية التاريخية والجيولوجية للمنطقة، ويسهم في تطوير مسارات متكاملة للسياحة البيئية والثقافية.

والتقى الطلبة أيضاً الباحث البيئي تامر عقيلي، الذي شرح طبيعة العمل الميداني في دراسة المياه ومراقبة خصائصها باستخدام أجهزة قياس الملوحة وغيرها من المؤشرات الفيزيائية والكيميائية. وبيّن أهمية الرصد المنتظم في متابعة التغيرات التي تطرأ على النظام المائي وتقييم أثرها في النباتات والكائنات الحية داخل المحمية.

وامتد النقاش إلى أنواع الطيور المهاجرة والمقيمة المسجلة في الأزرق، والأنواع النادرة، وتأثير ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار وتراجع الموارد المائية في أنماط الهجرة وتوافر الموائل المناسبة. وتضم المحمية نحو 329 نوعاً من الطيور المهاجرة والمقيمة، إضافة إلى السمك السرحاني، وهو النوع الفقاري الوحيد المتوطن في الأردن.

كما ناقشت مؤسسة المبادرة د. دعد نزال مع المختصين نتائج الدراسة الحديثة التي أعدها المهندس حازم الحريشة والباحث تامر عقيلي باستخدام صور الأقمار الصناعية ومؤشر الغطاء النباتي وتقنيات الاستشعار عن بُعد. وأظهرت الدراسة ارتفاع مساحة الغطاء النباتي في المنطقة من 2.30 كم² عام 2015 إلى 14.83 كم² عام 2025، أي بما يعادل زيادة تقارب 545% خلال عشر سنوات. وتركز النقاش على العوامل التي أسهمت في هذا التحسن، وفي مقدمتها إجراءات الحماية، والحد من الرعي الجائر والتعديات، والإدارة العلمية للموائل، ودلالات هذه النتيجة على الحد من التصحر وتحسين موائل الطيور والحياة البرية.

بعد ذلك، توجه المشاركون إلى قلعة الأزرق، حيث تعرّفوا إلى تاريخ القلعة ودورها الاستراتيجي عبر العصور، وموقعها عند ملتقى طرق تاريخية مهمة وبالقرب من مصدر مائي شكّل أساساً للاستقرار والحركة البشرية في الصحراء الشرقية. وشاهد الطلبة العمارة المميزة للقلعة المبنية من حجر البازلت الأسود المحلي، وتعرفوا إلى تعاقب الحضارات التي استخدمت الموقع، من الفترات النبطية والرومانية والبيزنطية وصولاً إلى العهدين الأيوبي والعثماني، فضلاً عن ارتباط القلعة بأحداث الثورة العربية الكبرى خلال عامي 1917 و1918.

كما اطّلع الطلبة على البئر الموجود داخل القلعة وآثار انخفاض منسوبه المائي، الأمر الذي أتاح لهم قراءة التاريخ المائي للمنطقة من خلال الشواهد الأثرية. وأبرزت الزيارة كيف أسهم وجود الواحة والمياه في تحديد الأهمية العسكرية والاقتصادية والاجتماعية للأزرق، وكيف أصبح تراجع المياه اليوم شاهداً مادياً على التحولات البيئية التي شهدتها المنطقة.

واختُتم البرنامج بلقاء المهندس الزراعي محمد الخطايبة، الذي تحدث عن الأهمية الزراعية والاقتصادية لمنطقة الأزرق، والتحديات التي يواجهها المزارعون، وفي مقدمتها شح المياه، وارتفاع ملوحة التربة والمياه، وتكاليف الإنتاج، وتأثير التغير المناخي، وصعوبة تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج الزراعي والمحافظة على الموارد الطبيعية.

وناقش الطلبة مع المهندس الخطايبة عدداً من المقترحات، من بينها تشجيع استخدام تقنيات الري الموفرة للمياه، واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للظروف المناخية والملوحة، والاستفادة من المعرفة والخبرة المتراكمة لدى المزارعين، وإيجاد قنوات تواصل منتظمة بين الشباب والباحثين والمزارعين. كما أكد النقاش أهمية إشراك المجتمعات المحلية في صياغة الحلول، وعدم فصل السياسات البيئية والمائية عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للسكان.

وقد أتاحت الرحلة للطلبة فهماً متكاملاً للأزرق بوصفها منظومة مترابطة تجمع بين المياه والأراضي الرطبة والتنوع الحيوي والزراعة والتاريخ والمجتمع المحلي. كما وظّف الطلبة التصوير الفوتوغرافي بوصفه أداة للتوثيق والتعبير البصري عن قضايا المياه، بما يدعم مشاركتهم في مسابقة الجمعية الألمانية الأردنية «المياه: آثار الحياة | Water: Traces of Life». وركزت الصور التي التقطها الطلبة على ندرة المياه، وآثار تراجعها، وعلاقتها بالحياة اليومية والذاكرة الثقافية، والحلول الممكنة للتعامل معها.

وفي المرحلة المقبلة، سيعمل الطلبة المشاركون على ربط مخرجات الرحلة بسلسلة من الحوارات اللاحقة مع أصحاب المصلحة والخبراء والمسؤولين، وتحويل ملاحظاتهم الميدانية إلى أوراق نقاشية طلابية تتناول إدارة المياه، واستعادة النظم البيئية، والتنمية الزراعية المستدامة، والسياحة البيئية والثقافية في منطقة الأزرق. ويأتي ذلك ضمن منهج المبادرة القائم على الانتقال من التعلم الميداني والتوثيق البصري إلى الحوار المجتمعي، ثم إلى صياغة مقترحات شبابية مبنية على المعرفة والأدلة.

و تأتي هذه الأنشطة ضمن توجه عمادة شوون الطلبة نحو تعزيز التعلم خارج القاعات الدراسية، وتوسيع مشاركة الطلبة في القضايا الوطنية ذات الأبعاد البيئية والاجتماعية والسياسية.